لأول مرة ..كاتبة صحفية تكشف أسرار حياتها الخاصة
عندما يخرج الإبداع من رحم المعاناة
رامية يزيد - مدينة القدس ،مدينة السلام ، رغم قدسية مكانتها تعج بالمصائب و الكوارث التي تثقل القلب و تجرح حتى دمع العين ،،فمن هناك و من خلف الجدار حيث اذان مسجد الاقصى و قرع اجراس كنيسة القيامة تبدأ حكايتي...
وقفت امام احد رفوف الكتب في مكتبة رام الله ليلفت انتباهي كتاب صغير وردي اللون كتب عليه خفايا الحياة"حكايات خالدة غوشة" ارتكز تماما الى جانب كتاب بيل كلينتون" حياتي"
بداية ظننت انها حكايا من واقع الحياة و تخص ابناء المجتمع،و قلبت اوراق الكتاب لاخذ قرارا بشرائه و اعود لاريكتي و أجلس دونما حتى ان ابدل ملابسي ،،و بدأت أقرأ و أقرأ و كم كانت صدمتي حين كدت اقع بين سطور رسمت كلماتها بواقع الالم و اكتست باللون الاسود ،،ان هذه الكاتبة تقص مأساة "كيف" و" لماذا" و انا عشت هكذا ..اذن ..هل هذه حقيقة ام انها مجرد كلمات صفت لتخرج بحكاية تشد الناس و ليعتبر من لا عبرة له ..فقررت و شددت الرحال الى منزلها القريب من مدينة رام الله ،،منزل لا اعرف كيف اصفه متواضع و فخم معا رومانسي و ناري ،هادئ و بريئ و به جرح لا يمكن ان يلئم مهما مرت عليه السنين..
الكاتبة خالدة غوشة هي صحفية درست الصحافة والإعلام في جامعة كامبريدج في بريطانيا خرجت من بين ركام الخفايا لتخط بقلمها قصصا من واقع الحياة المرير..من خلال كتبها التي قامت بنشرها ،مجموعتها الروائية التي تحاور الروح والنفس والجسد وتشدالقارئ للغوص في اعماق ما وراء الكتابة . كنت اظن ان الكاتبة ،صراحة كما غيرها من الكتاب و الادباء الذين لا يقحمون حياتهم الشخصية في كتاباتهم ،،فنحن في مجتمع شرقي و ذكوري و لا يمكن ان تعبر امرأة عن معاناتها و مأساتها التي احاطتها بها العائلة،، فهذه اول مرة تتفوق بها امراة فلسطينية خرجت من رحم معاناة سلبت طفولتها و اعدمت برائتها ..و كل من عدّ سندا و حاميا و قف ينظر اليها ليهتك اخر امل لديها ..و لكن ..
تلك الابتسامة النازفة استطاعت أن تثبت وجودها في خضم الأوضاع المأساوية التي تشكلت حولها سواء في المجتمع المحيط أو في مدينة تعيش آلاف قصص الاحتلال اليومية..
الزواج الاول
خالدة فتاة فلسطينية ولدت لعائلة غوشة ، عائلة مقدسية عريقة من عائلات مدينة القدس في 26/4/1973م،
أكثر ابناء العائلة من المحامين و الاطباء و المهندسين، خالدة الطفلة الأصغر في البيت ، قرر إخوتها و امهم الانتقال للعيش في الولايات المتحدة ، بينما انتقل و الدها إلى أسبانيا ..لتبدأ عمليات البحث عنه و ليسجل تحت عبارة خرج و لم يعد ،الى ان جاء خبر و فاته و هنا توقفت عمليات البحث !!! لم تكن خالدة كأي طفلة عاشت طفولتها ، فقد كانت تحب الوحدة والعزلة، وهكذا كانت حياتها، وفي سن المراهقة وحين غدا عمرها 13 عاما وما إن بداً جسدها الغض الصغير يتشكل تدريجياً وحيث أنها كانت تعيش في بيت أختها الكبرى ،التي أرادت ان تتنصل من تحمل المسؤولية لتستغل غياب اخوانها و امها خارج البلاد و تحيك هي ومن حولها ،بداية رحلة العذاب لتستفيق خالدة لتجد نفسها في أحضان رجل قاسي غريب عنها، وكل ما تعرفه انه زوجها، ، من هنا بدأت تتعمق المأساة ، فالطفلة لم تكن مهيئة لأخذ دور الزوجة في الحياة ، و تحمل المسؤولية ،و كما يقال ما زاد الطين بلة ،عندما اقبل زوجها على احتجازها اسبوع في غرفة للغسيل على سطح المنزل لتخرج منها الى المشفى مباشرة !! و من هناك فرت هاربة تتطلب الطلاق و هي لا تعلم انها اصبحت تحمل طفلا باحشائها ..لينتهي الزواج بعد ثلاث و عشرون يوما من المعاناة..
عادت الطفلة إلى بيت العائلة من جديد، وحين حان موعد الولادة وبعد عملية قيصرية شاقة خضع لها جسم الصغيرة الغض أنجبت طفلها محمد ، ولكنها ما كادت تفتح عينيها بعد زوال المخدر لتبحث عن وليدها الرضيع ..لتعلم ان والده قام بخطفه من المشفى وباءت كل محاولتها بالفشل لاستعادته،و بقيت تحاول الوقوف رغم الم الصمود و جرح الحياة ،ولا زالت تذكر كم كانت تشاهد في عيون من حولها نظرات قاسية لم تفهمها إلا بعد حين، نظرات شبان الحي ورجال الحي، و رجال ارادوها بين الحين والآخر فهي الطفلة الغضة الولود وهم يريدونها زوجة ثانية أما هي فقد صرخت من بين حطام حياتها (أنا طفلة.. دعوني أعيش طفولتي... دعوني أعيش مراهقتي!!
وتستطرد خالدة كل هذا ولم تنتهي حكاياتي فما دام في العمر بقية فللحكايات تتمة ، لم اكن يوماً احلم أن تصير الأمور إلى هذا النحو ... كان حلمي أن أكون صحفية أو محامية ولكن الظروف كانت أقسى من أن ترحم أحلامي الصغيرة ،
الزواج الثاني
قررت الفرار من ظلم المجتمع والعائلة إلى احضان امها في الولايات المتحدة الأمريكية و هي في الخامسة عشر من العمر، ولكن لم يكن الحال بأفضل مع أشقائها الذين قابلوها بقساوة وبرود مفاجئين تقول خالدة : و كم كانت صدمتي حين علمت بأنهم على علم بما حدث معي ، و حين رأيت بعيونهم شرار القسوة و الغضب لما فعلت ،،فعدت الى فلسطين هاربة باكية لا اعلم ماذا افعل فأنا ابنة سبعة عشر ربيعا ،،و قررت ان ابدأ من جديد و هذا ما دفعني للبحث عن ملجأ آخر حيث تقدمت بلجوء اجتماعي وتوجهت إلى بريطانيا وأنا في الثامنة عشر من عمري !! وهناك أكملت دراستي في العمل الصحفي والتقيت بزوجي الثاني وهو لبناني الجنسية و تاجر سيارات و الذي أحبني كثيرا كثيرا و لكن و بعد ان أنجبت طفلي الثاني ملاك توفي زوجي بعد و لادتي مباشرة ليتركني من جديد وحدي أواجه الحياة مع طفل رضيع لا يوجد له احدا سواي.. .
الان
خالدة غوشة التي كانت تخرج من كل مواجهة أكثر قوة وأكثر صلابة، إنها اليوم الكاتبة والصحفية خالدة غوشة وهي اليوم مثال للنجاح والتحدي وبعد مرور خمسة عشر عاماً ، تطرح أول كتاب لها خفايا الحياة الجزء الأول بعنوان ( حكايات خالدة غوشة). وهو كتابها الأول الذي يطبع للمرة الثالثة خلال شهرين ليكون بين أيدي طالبات المدارس وطلابها ليتعلموا دروساً وعبراً من حكايات خالدة غوشة التي أصبحت المتصدي الأول لمسالة "الزواج المبكر"، وهو ذات الكتاب الذي يشكل الآن محور مسابقة ثقافية طلابية في سوق عُكاظ تحت عنوان "كتاب وقارئ".
ولأنها تؤمن أن الإنسان يرتكز على ثلاث (الروح، الجسد ،النفس)فقد اتسمت حياتها بالروحانية لتستطيع الصمود في مواجهة التحديات لتخرج من بين ركام حياتها وتخط بقلمها الجزء الثاني من خفايا الحياة بعنوان (مفاتيح الأحلام).
اليوم خالدة غوشة تبلغ من العُمر (35) عاماً أم لشابين الأول هو محمد (22) عاماً و الثاني هو ملاك ( 15) عاماً، وهي اليوم رئيسة تحرير مجلة (هتون القدس: و التي تعني انسكاب الدمع يعد الانحباس ) ورئيسة مؤسسة الفكر للتنمية المجتمعية وهي اليوم تستعد للإطلاق روايتها الأولى ( على جسد امرأة) وما زال في داخلها حب للحياة وللتعلم فهي الان تدير شؤونها في مكتبها الصحفي وشؤون الجيل القادم من شابات وشبان فلسطين من خلال مؤسستها مؤسسة الفكر للتنمية المجتمعية، ، وما زالت خالدة غوشة تطمح بالكثير من ترجمة كتبها للغة الإنجليزية وتطمح بأن تقدم الكثير لبلدها وخاصة القدس من تثقيف الجيل الجديد وتوعيتهم بأسس الثبات والصمود في القدس من خلال تحقيقات تثيرها في مجلة (هتون القدس) التي أصبحت هذه المجلة الملجأ الوحيد لأهل القدس ليعبروا عن احتجاجهم نحو التهميش وأحوالهم الاجتماعية.
اما عائلتها و التي نبذتها و حاصرتها قبل سنوات اصبحت تبحث عنها و تفخر بها و تتطلع دائما لتكون قريبة منها .............
و من كان لها قلب يستمر و يصمد فهو قلب بريء و تاجه الصفح و المسامحة ...
.